- المشاركات
- 1,761
- الدّولة
- تونس
- الولاية
- بنزرت
- م. الدّراسي
- دراسات معمّقة
- الاختصاص
- أدب عربي
- المهنة
- أستاذ
الـــــنـــــصّ
يَسْتَيْقِظُ الجريدُ النّائمُ على أبْوابِ الصّحراءِ، أشْعَثَ، أغْبَرَ، يَسْتَيْقِظُ كَمَنْ نُفِخَتْ فيهِ الرُّوحُ وَ يَنْبَرِي النّاسُ في نَشَاطٍ مَحْمُومٍ، مُشَوّشٍ، مُضْطَرِبٍ، شأنَ الكُسَالَى إذا ما نَشِطُوا. وَ يَفِدُ التّجّارُ بِمَحَافِظِ نُقُودٍ مَلْأى وَ تَضِجُّ البَلْدَة بالزّائرينَ فَتَعْمُرُ الفَنادِقُ و يَكْثُرُ الضُّيُوفُ و تتحرّكُ الأسْبَابُ.
يَبْدأ خَرْصُ الغِلالِ و المُسَاوَمَاتُ، و تتألّفُ الشّرِكاتُ فَيَقْتَرِضُونَ و يَقْبِضُونَ العَرَابينَ فَتَتَجَمّعُ بَيْنَ أيْديهِمْ رُؤوسُ أمْوَالٍ: مِنْهَا الحقيقيُّ و منْها الوَهْمِيُّ وَ يَعْقِدُونَ المُؤامَرَاتِ و يَتَجَسَّسُونَ، و لا حَديثَ في الغابَةِ و البَلَدِ، في الشّارِعِ و في البيْتِ، في المَقْهى و في الفُنْدُقِ إلاّ حَدِيثُ التَّمْرِ. وَ السّعْرُ كَمِقْيَاسِ ضَغْطِ الدّمِ، تَرْتَعِشُ إبْرَتُهُ نُزُولاً و صُعُودًا، و لأقلِّ ارْتِعَاشَةٍ رَجّة و صَدًى. المُقْبِلُ مِنَ السّوقِ، و العَائدُ مِنَ الغابَةِ، و الوارِدُ على البَلْدَةِ و الصّادِرُ مِنْها، و التّاجِرُ في دُكّانِهِ، و الطّالِبُ في مَدْرَسَتِهِ، و المرأةُ مِنْ وَرَاءِ مِنْسَجِها:
- بِكَمْ أصْبَحَ البُسْرُ الحُلْوُ؟
- بِكَمْ أمْسَى العَلِيقُ؟
- هل باعَ فُلانٌ؟
- كمْ خَرَصْتَ في الجنّةِ الفُلاَنيَّةِ؟
- لوْ تَرَكَ فُلانٌ غَلَّتَهُ إلى العَشِيَّةِ لَرَبِحَ كَذا.
- هلْ تُشارِكُنا في شِرَاءِ الجَنَّةِ الفُلانِيَّةِ؟
- أسَلِّمُ إليْكَ غَلَّةَ الجَنَّةِ الفُلانِيَّةِ فَكَمْ تُرْبِحُني؟
بيْعٌ في الهَواءِ و سَمْسَرَة و مشاريعُ مُتشعِّبَة
و إذا هُمْ بَيْنَ عَشِيّةٍ و ضُحاها، أخِصّائيّونَ في الاقْتِصَادِ، تَجِدُ الحِكْمَةَ عِنْدَ أيٍّ كانَ. و أيٌّ كانَ يَدُلُّكَ، باعْتِدَادٍ، عَلَى سِرِّ النّجَاحِ، و يَشْرَحُ لَكَ، بابْتِسامَةٍ عَليمَةٍ، أمْثَلَ الوسائلِ لاسْتِجْلابِ الثّرْوَةِ بِلا شيءَ.
عَلَى أنّهُمْ، أبدًا في وَجَلٍ مِنْ تقَلُّبَاتِ الجوِّ. فإنْ أمْطرتْ دقائقَ فَوقَ ما ينبغي يتبلّلُ التّمْرُ و يتعفّنُ، فلا تقْبَلُهُ السُّوقُ و لا يَسْتَسيغُهُ الطّاعِمُ. فعَلَى صَاحِبِهِ أنْ يسْتأجِرَ مَنْ يُريحُهُ منهُ. و إن أشَعّتْ الشّمسُ مُتواصِلَةً، حامِيَةً، و فَرغتِ السّماءُ فَصَفَتْ صَفَاءً بلاَ أمَلٍ، يَجِفُّ و يَيْبَسُ، فلاَ يَزِنُ و يُصْبِحُ كالنُّخالَةِ. فالمُرَادُ شَمْسٌ حامِيَةٌ بِمِقْدارٍ، و رَشٌّ رقيقٌ بمِقدارٍ، و ندًى لطيفٌ بمقدارٍ، إذنْ يَسْلَمُ التّمرُ، فيجيءُ طرٍيًّا، لامِعًا في لونِ الكَهْرَباءِ، يتراءى نَوَاهُ وَسَطَ هَالَةٍ مِنَ اللُّبَابِ الشَّفّافِ، دَسِمًا، حُلْوًا، عَطِرًا، يَسُرُّ النّاظِرِينَ، و يُغذّي الآكِلينَ.
إذنْ تَجِدُ وَرَقَ النُّقُودِ حَيْثُما ذَهَبِتَ و أيْنَما حَلَلْتَ، لدى الشُّبّانِ و الأطفالِ و النِّسَاءِ، و باعةِ الحَلْواءِ و باعةِ الفُولِ في طريقِ الغابَةِ، يتَفَكَّهُونَ بها و يَعْبَثُونَ. و في الشِّتاءِ تُقَامُ الأعراسُ و يَعْمَلُ البَنّاؤونَ ترْميمًا و بِناءً و يَتْبَعُهُمْ النّجّارُونَ و الحدّادُونَ، و تُخْزَنُ مُؤَنُ العامِ و يَكْتَسُونَ و يَقْضُونَ مَجَالِسَ طيّبَةً حَوْلَ السّامُورِ، يَهْضِمُونَ ما تحصّلُوا عليْهِ، ثمّ يَذهَبُ قَرُّ الشّتاءِ و يتنفّسُ الرّبيعُ بمِثلِ أنْفَاسِ الصُّبْحِ و في الأكيَاسِ صَبَابَة تُصْرَفُ. فيَمُرُّ العيْشُ يسيرًا.
البشير خريّف - الدّقلة في عراجينها - ص.ص: 27-28
يَسْتَيْقِظُ الجريدُ النّائمُ على أبْوابِ الصّحراءِ، أشْعَثَ، أغْبَرَ، يَسْتَيْقِظُ كَمَنْ نُفِخَتْ فيهِ الرُّوحُ وَ يَنْبَرِي النّاسُ في نَشَاطٍ مَحْمُومٍ، مُشَوّشٍ، مُضْطَرِبٍ، شأنَ الكُسَالَى إذا ما نَشِطُوا. وَ يَفِدُ التّجّارُ بِمَحَافِظِ نُقُودٍ مَلْأى وَ تَضِجُّ البَلْدَة بالزّائرينَ فَتَعْمُرُ الفَنادِقُ و يَكْثُرُ الضُّيُوفُ و تتحرّكُ الأسْبَابُ.
يَبْدأ خَرْصُ الغِلالِ و المُسَاوَمَاتُ، و تتألّفُ الشّرِكاتُ فَيَقْتَرِضُونَ و يَقْبِضُونَ العَرَابينَ فَتَتَجَمّعُ بَيْنَ أيْديهِمْ رُؤوسُ أمْوَالٍ: مِنْهَا الحقيقيُّ و منْها الوَهْمِيُّ وَ يَعْقِدُونَ المُؤامَرَاتِ و يَتَجَسَّسُونَ، و لا حَديثَ في الغابَةِ و البَلَدِ، في الشّارِعِ و في البيْتِ، في المَقْهى و في الفُنْدُقِ إلاّ حَدِيثُ التَّمْرِ. وَ السّعْرُ كَمِقْيَاسِ ضَغْطِ الدّمِ، تَرْتَعِشُ إبْرَتُهُ نُزُولاً و صُعُودًا، و لأقلِّ ارْتِعَاشَةٍ رَجّة و صَدًى. المُقْبِلُ مِنَ السّوقِ، و العَائدُ مِنَ الغابَةِ، و الوارِدُ على البَلْدَةِ و الصّادِرُ مِنْها، و التّاجِرُ في دُكّانِهِ، و الطّالِبُ في مَدْرَسَتِهِ، و المرأةُ مِنْ وَرَاءِ مِنْسَجِها:
- بِكَمْ أصْبَحَ البُسْرُ الحُلْوُ؟
- بِكَمْ أمْسَى العَلِيقُ؟
- هل باعَ فُلانٌ؟
- كمْ خَرَصْتَ في الجنّةِ الفُلاَنيَّةِ؟
- لوْ تَرَكَ فُلانٌ غَلَّتَهُ إلى العَشِيَّةِ لَرَبِحَ كَذا.
- هلْ تُشارِكُنا في شِرَاءِ الجَنَّةِ الفُلانِيَّةِ؟
- أسَلِّمُ إليْكَ غَلَّةَ الجَنَّةِ الفُلانِيَّةِ فَكَمْ تُرْبِحُني؟
بيْعٌ في الهَواءِ و سَمْسَرَة و مشاريعُ مُتشعِّبَة
و إذا هُمْ بَيْنَ عَشِيّةٍ و ضُحاها، أخِصّائيّونَ في الاقْتِصَادِ، تَجِدُ الحِكْمَةَ عِنْدَ أيٍّ كانَ. و أيٌّ كانَ يَدُلُّكَ، باعْتِدَادٍ، عَلَى سِرِّ النّجَاحِ، و يَشْرَحُ لَكَ، بابْتِسامَةٍ عَليمَةٍ، أمْثَلَ الوسائلِ لاسْتِجْلابِ الثّرْوَةِ بِلا شيءَ.
عَلَى أنّهُمْ، أبدًا في وَجَلٍ مِنْ تقَلُّبَاتِ الجوِّ. فإنْ أمْطرتْ دقائقَ فَوقَ ما ينبغي يتبلّلُ التّمْرُ و يتعفّنُ، فلا تقْبَلُهُ السُّوقُ و لا يَسْتَسيغُهُ الطّاعِمُ. فعَلَى صَاحِبِهِ أنْ يسْتأجِرَ مَنْ يُريحُهُ منهُ. و إن أشَعّتْ الشّمسُ مُتواصِلَةً، حامِيَةً، و فَرغتِ السّماءُ فَصَفَتْ صَفَاءً بلاَ أمَلٍ، يَجِفُّ و يَيْبَسُ، فلاَ يَزِنُ و يُصْبِحُ كالنُّخالَةِ. فالمُرَادُ شَمْسٌ حامِيَةٌ بِمِقْدارٍ، و رَشٌّ رقيقٌ بمِقدارٍ، و ندًى لطيفٌ بمقدارٍ، إذنْ يَسْلَمُ التّمرُ، فيجيءُ طرٍيًّا، لامِعًا في لونِ الكَهْرَباءِ، يتراءى نَوَاهُ وَسَطَ هَالَةٍ مِنَ اللُّبَابِ الشَّفّافِ، دَسِمًا، حُلْوًا، عَطِرًا، يَسُرُّ النّاظِرِينَ، و يُغذّي الآكِلينَ.
إذنْ تَجِدُ وَرَقَ النُّقُودِ حَيْثُما ذَهَبِتَ و أيْنَما حَلَلْتَ، لدى الشُّبّانِ و الأطفالِ و النِّسَاءِ، و باعةِ الحَلْواءِ و باعةِ الفُولِ في طريقِ الغابَةِ، يتَفَكَّهُونَ بها و يَعْبَثُونَ. و في الشِّتاءِ تُقَامُ الأعراسُ و يَعْمَلُ البَنّاؤونَ ترْميمًا و بِناءً و يَتْبَعُهُمْ النّجّارُونَ و الحدّادُونَ، و تُخْزَنُ مُؤَنُ العامِ و يَكْتَسُونَ و يَقْضُونَ مَجَالِسَ طيّبَةً حَوْلَ السّامُورِ، يَهْضِمُونَ ما تحصّلُوا عليْهِ، ثمّ يَذهَبُ قَرُّ الشّتاءِ و يتنفّسُ الرّبيعُ بمِثلِ أنْفَاسِ الصُّبْحِ و في الأكيَاسِ صَبَابَة تُصْرَفُ. فيَمُرُّ العيْشُ يسيرًا.
البشير خريّف - الدّقلة في عراجينها - ص.ص: 27-28
الشّرح
بعد ساعات قليلة
بعد ساعات قليلة
التعديل الأخير بواسطة المشرف: