- المشاركات
- 334
- الدّولة
- تونس
- الولاية
- سيدي بوزيد
- م. الدّراسي
- جامعي
- الاختصاص
- عربيّة
- المهنة
- أستاذ تعليم ثانويّ
تحرير فردّي للتّلميذة المتميّزة سماح الدّوداي
حول محور الفنون 9 أساسي 1
إعداديّة قصر أولاد سلطان
*الموضوع:عبّر أخوك الأصغر عن رغبته في الِانضمام إلى نادي الرّسم بالمدرسة،لكن ّ أحد أفراد عائلتك رفض ذلك بشدّة معتبرا أنّ هذا الفنّ يُضيع الوقت ويُلهي عن الدّراسة،فحاورته قصد إقناعه بمزايا فنّ الرّسم وفوائده على الفرد والمجتمع.
اُنقل الحوار الذي دار بينكما مركّزا على ماعتمدتّه من حجج
تُعتبرالفنون من أشكال الإبداع البشريّ التي ميّزت الإنسان ككائن عاقلٍ واعٍٍ عن سائر الكائنات الحيّة وساهمت بشكل فعّال في تمدّنه وتحضّره غير أنّ البعض يرى أنّ الفنّ هو أمر ثانويّ عارض يمكن الِاستغناء عنه وأذكر من بين هؤلاء أبي،رجل قد أمضى عمره بين جدران المستشفى،أين يشتغل،لا يهتمّ بالفنون و لا تحتلّ أي مكانة في حياته وقد تبيّن لي ذلك بشكل واضح عندما صارحه أخي ليلة أمس برغبته الجّامحة في الِانخراط في نادي الرّسم بالمدرسة بيد أنّه رفض ذلك بشدّة ودعاه إلى الِاهتمام بدراسته معتبرا أنّ الرسم يُضيع الوقت ويُلهي عن المُذاكرة .فحزّ ذلك في نفسي وتألّمت كثيرا عندما رأيت الدّموع تتساقط على خدّي أخي فانتظرت فراغه من متابعة برنامجه السّياسيّ المفضّل وحاورته قصد إقناعه بقيمة فنّ الرّسم في حياة الإنسان وفوائده العديدة
فهل يمكننا حقا أن نستغني عن الفنون؟
وما هي مميّزات فنّ الرّسم و فوائده على الفرد والمجتمع؟
كان شغفي بالرّسم كبيرا بل عظيما وكنت ممن يحترمون الفنون ويجعلون لها مكانة مرموقة في حياتهم،تستهويني الرّسومات على اِختلافها.إذ لا يكاد يُفتتح معرض تشكيليّ إلاّ ووجدتني في غمار الأوائل الذّين يتسابقون على الدّخول إليه.لكنّ أبي لا يشاطرني هذا الموقف من الرّسم وهو الذي قال لي :" لاتحاولي يا بنيّتي أن تقنعيني بأن أسمح لأخيك بالانخراط في نادي الرّسم،ذلك أنّني أعتبر هذا الفنّ من الأمور الثّانويّة التي لسنا في حاجة إليها.بل هو مضيعة للوقت وهدر له.فأخوك إذا انشغل بالرّسم سوف يهمل دراسته ممّا سيعود سلبا على نتائجه.أليس من الجدير به أن يهتمّ بأمور اخرى مفيدة كالمطالعة فهي الوسيلة لتحصيل زاد معرفيّ يمكّنه من إثبات وجوده بين أصدقائه.ثمّ إنّ عقيدتنا تنهانا عن ممارسة هذا النّشاط تصديقا لقول الرّسول الكريم صلّى اللّه عليه وسلّم:"إنّ الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة أو كلب". أوَ تريد منّي أن أخالف أوامرَ ونواهيَ سيّد الخلق وأتّبع شهوات أخيك؟ واعتبار الرّسم وسيلة ترفيهيّة هو أمر خاطئ فما فائدة لوحة صامتة لا تتحرّك ؟ أبمقدورها أنّ تُزيل ما في النّفس من أدران و هموم؟ بالطّبع لا.وإنّي لم أر رسّاما حظي بمكانة رفيعة في المجتمع،مثله مثل حجرة في وادِ لا تضرّ و لاتنفع،يقضي حياته عاكفا على لوحات يتأمّلها و يلوّنها ولمّا يفرغ منها يعرضها في رواق فلا تُرى أو تُباع.إنّنا في عصر السّرعة والتّقنيات الحديثة لا حاجة بنا إلى هذا النّوع من الفنون الذي يُضيع الوقت الثّمين ويدخل الإنسان في عوالم أخرى ويجعله منعزلا عن مجتمعه وأسرته ويدخل الإنسان في عوالم أخرى ويجعله منعزلا عن مجتمعه و أسرته.علينا يا بنيّتي أن نواكب التطوّر التكنولوجيّ،وننافس أهل العلم ونعمل ونجتهد لا أن نهتمّ بالرّسم والفنون.إنّني على أتمّ الثّقة بأنّ اِنحطاط مجتمعنا و تخلّفه يعود بالأساس إلى اِهتمام شبابنا بأمور غير مفيدة كالرّسم مثلا.أليس من الأفضل أن نكرّس حياتنا في طلب العلم والمعرفة حتّى نبلغ مكانة نصبح بها محلّ تقدير و احترام.وصفوة القول إنّني لن أسمح مطلقا لأخيك بأن يشارك في هذا النّشاط فالامتحانات على الأبواب و لامجال لإضاعة الوقت".
أيقنت أنّ إقناع أبي بخطإ تصوّره ليس أمرا هيّنا فحججه لا تخلو من وجاهة، وإن كان يبالغ في التّحامل على الفنون وينكر فوائدها على الإنسان والمجتمع.غير أنّني لم أفقد الأمل وشحذت عزيمتي و قلت له بصوت تملؤه الثّقة و يغمره الإيمان يقدرتي على تغيير موقفه:"ما أجمل ما قلتَ يا أبي وما أبدع ما ذكرتَ.مافتئنا نلمس منك رغبة صادقة في نجاحنا و حرصا لا ينتهي على أنّ نكون من المتميّزين في دراستنا .لكن ألاّ تظن أنّ حرمانك أخي من إبراز مواهبه في الرّسم أمر غير منطقيّ بل يفتقد إلى الأسس الوجيهة المقنعة. فلقد أفقدك صدق نيّتك ونبيل غايتك حُسن التبصّر وكمال الإدراك وغاب عنك ما للرسم من فوائد جمّة ومنافع لا تعدّ وتحصى .فبواسطته نعبّر عن مشاعرنا وأحاسيسنا من خلال الصوّر والألوان والأشكال.ونلجأ إليه حين الإحباط والاكتئاب كي نحتوي آلامنا ونُنفّس عن همومنا و اِنفعالاتنا ونرسم متى شعرنا بالقلق والتوتّر فتتحوّل أحزاننا الدّفينة إلى سعادة وسرور.و بمجرّد أن نمسك الرّيشة ننسى ضغوطات الحياة و نحسّ بالرّاحة والِاسترخاء. ومن خلال الرّسومات يمكننا أن نسيّطر على الموضوعات والأشياء التي تسبّب لنا قلقا واضطرابا فالإنسان القديم مثلا رسم الحيوانات المفترسة ممّا ساعده على السيّطرة عليها ومكّنه من تخفيف خطرها وأعطاه إحساسا بالقوّة وبالأمان.فالرسم دواء بإمكانه أن يدخل إلى مناطق لا شعوريّة مليئة بالمكبوتات والرّغبات والمخاوف فيتحكّم فيها ويحوّلها إلى طاقة إيجابيّة تمدّ بالنفس بالنّشاط والحيويّة و تزرع في ذات الرسّام التفاؤل والإرادة الخلاّقة. ثمّ إنّ اِنكبابه على الرسّم وممارسته لهذا النّشاط الفنيّ سيمكّنه شيئا فشيئا من أن يصبح فنّانا موهوبا ومشهورا فتعرض لوحاته في مختلف أصقاع العالم ويتوافد النّاس على اِختلاف أديانهم ولغاتهم يقصدون معارضه الفنيّة ويتأملّون رسوماته ويطرون أعماله ويثنون على ما أبدعت يداه ويتسابقون لشراء لوحاته فيحوز الشّهرة والمجد والأرباح الطائلة.أ وَ لا تعلم أنّ لوحة الجوكندا للرسّام الإيطاليّ ليوناردو دا فنشي لا تقدّر بثمن لفرط حسنها وبهائها ممّا قد يعجز اللّسان عن وصفه و لا تقدر عدسة المصوّر مهما بلغت دقّتها عن رصده والإحاطة به.وعلى عكس ما قلت يا أبي،فإنّ الرسّام يحظى بمكانة عاليّة في نفوس النّاس.فهو إنسان راق،ممتاز،ذو ذوق رفيع وله ميزات ينفرد بها عن سائر الأشخاص.فكم من فنّان تشكيليّ سجّل اِسمه على صفحات التّاريخ شأنه شأن الأطباء والعلماء على غرار الرّسام الإسبانيّ بابلو بيكاسو وهو من رسم لوحة الحرب المشهورة غرنيكا .والرّسام الإيطاليّ جيوفاني براغولين صاحب اللوحة الذّائعة الصّيت الطفل الباكيّ وهي لوحة انتشرت في العالم منذ عقد الخمسينات الميلاديةومازالت إلى اليوم تحظى باعجاب النّاس واهتمام النقّاد وأهل الِاختصاص والرسّام الفرنسيّ كلود مونيه رائد المدرسة الانطباعيّة وأبرز زعماء طريقة الرّسم في الهواء الطلق.ولك أن تتخيّل ما للرّسم من فوائد على المجتمع،فهو وسيلة للتوّاصل بين الشّعوب على اِختلاف ألوانها وأديانها ولغاتها،يجمع بينهم ويوحّدهم تحت راية الإبداع والتألّق مُتناسين بذلك كلّ أشكال التّمييز التي يمكن أن تقف عائقا أمام وحدتهم.ولا تعجب يا أبي العزيز حين أقول لك أنّ عديد الفنّانين قد خصّصوا جزءا من مداخيل بيع لوحاتهم و إقامة المعارض الفنيّة لمساعدة الفقراء والمساكين و منكوبي الحروب.فالرسّامة اليونانيّة "بيانسي نولز" صرّحت في إحدى القنوات الأجنبيّة أنّها جمعت أموالا من بيع أعمالها الفنيّة لإيواء المتشرّدين واليتامى.ويمكننا أن نقول أنّ الرّسم هو مقياس تقدّم الشّعوب أو تخلّفها وليس من باب المصادفة أن نجد أنّ الدّول المتقدّمة هي الدّول هي التي تعطي للرسم مكانة سامقة وتحترمه.ومن جهة أخرى فإنّ التطوّر الفكريّ الذي يشهده العالم لا بدّ أن يصاحبه تطوّر فنّي وكلّ من ينظر إلى الرّسم على أنّه هدر للوقت أحرى به أن يعيش عيشة الكهوف ويحيا حياة الممسوخ الأبتر.فلا مجال اليوم لمثل هذه العقليات التي كانت سببا في تخلّفنا قرونا عديدة.وخلاصة القول إنّني أطلب منك أيّها العطوف الحنون أن تسمح لأخي بأن يشارك في هذا النّادي حتّى تُصقل موهبته وتُنمَّى قدراته،وإنّي على ثقّة كبيرة من أنّك لن تخيّب أمل اِبنتك الحبيبة التي تحبّك كثيرا".
تلعثّم أبي،ولم يستطع أن يواصل حديثه وكأنّما قوّة منعته من ذلك.لكنّه سرعان ما نهض من مكانه وقد أشرق وجهه نورا ثمّ ما لبث أنّ قصد غرفة أخي الصّغير وربّت على كتفه وأعلمه بموافقته على اِشتراكه في النّادي،حينها رأيت ملامح الفرح والسّرور باديّة على قسمات وجه أخي.فغمرتني بدوري فرحة لا توصف كيف لا ؟وأنا قد تمكّنت من إقناع أبي بما للرّسم من أهميّة كبيرة في حياتنا.
لوحة الطّفل الباكيّ للرسّام الإيطاليّ،جيوفاني براغولين

رائعة الرسّام الإيطاليّ ليوناردو دافنشيّ،الموناليزا أو الجوكندا

لوحة الحرب للرسّام الإسبانيّ،بابلو بيكاسو
التعديل الأخير:
